الخميس، 10 يوليو 2014

النبي قاضياً.. علم وعمل وخشية

بقلم : د. طه حبيشي

ان إمام القضاة وقدوتهم هو سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الذي وجهه الله عز وجل إلي أن شخصية القاضي مرتبطة بعلم وعمل تحكمهما خشية وتقوي.
أما العلم الذي يحكم شخصية القاضي فهو هذه المعرفة التامة بتلك الأطر العامة والقوانين الجزئية التي تحكم عملية تحقيق العدالة. ومنها: أن القاضي لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقضي بين متخاصمين بمقتضي علمه بالقضية.

لأن سبيل القضاء والنظر في البينات والأدلة ومعرفة وكيفية تحقيق الدليل والوقوف علي مقدماته ونتائجه فإذا كان المتهم قد أقر بذنبه وخطيئته فيجب علي القاضي أن يكون بصيراً باعتبار الاقرار وسيلة إلي الحكم فقد يكون المقر محكوماً بعاطفة من العواطف تحمله علي حماسة تحمل العقوبة ليتفادي شيئا يظن أنه بتحمله يقدم معروفا أو يستر فضيحة والعلم الذي يحكم شخصية القاضي هو هذا العلم الذي يساعده علي أن يدرك القرائن لو قد غاب الدليل والقرينة وإن كانت ليست قادرة علي التبرير للحكم فإنها وسيلة ولا شك لتتبع الأثر إلي الدليل. ومن الأمور التي تتصل بعلم القاضي معرفته بالوقائع والحوادث وطبيعتها وكيفية انزال الحكم عليها وهي معرفة تقتضي فطنة ونوع ثقافة يكونان ملكة تستقر في نفس القاضي لا تفارقه.
والكلام في هذا المجال كثير.
والقاضي مع ذلك لا تقتصر مسئوليته علي العلم وحده وإنما العلم يتبعه سلوك وعمل مجمله انزال الحكم علي الواقعة التي يحكم فيها. وهو إنزال يحتاج إلي اهتمام كبير بما يحبط به من مخاطر فعلي القاضي أن يراقب قلبه وهو مستقر الهوي والميول فلا يحكم في قضية يستشعر الحرج من الحكم فيها كما انه لا يجوز أن يحكم وهو متأثر بخوف في نفسه أو ألم في جسمه أو داعية من دواعي غريزته إذ لو قد فعل شيئا من ذلك وهو متأثر بهواه أو بخوفه أو واقع تحت تأثير من داع من داعية غريزته لكان عرضة للخطأ يعاقبه عليه ضميره وتزدريه من أجله أمته ويبقي إلي آخر المدي ضمن جماعة المطلوبين لجهنم.
ونعود من جديد إلي امام القضاة سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم الذي ضرب المثل الأعلي في هذا المجال فحكم بين الناس علي مقتضي البينة من الدليل أو الاقرار كل بحسبه ولم يحكم في واقعة معينة لا يقتضي علمه وهو ناتج عقله ولا بمقتضي هواه وهو ناتج قلبه وفؤاده.
ونحن نتساءل عن النبي صلي الله عليه وسلم وهو يحكم وعن أحكامه التي جمعت وتناقلتها كتب الحديث والسير هل هي من قبيل الاحكام الملزمة أم هي من الأحكام التي تتطلبها المصلحة ويمكن تغييرها إذا تبدلت المصلحة؟
ونحن هنا نقول بحسم وجزم لا نقبل أن نتزحزح عنه: ان النبي قد تلقي عن الشارع الأطر العامة في القضاء والقواعد العامة والاصول الجامعة فيه ولكنه في انزال الأحكام الجزئية علي مناسبها من الوقائع اليومية فقد ترك الله له أن يوازن بين البدائل شريطة ألا يجاوز الإطار العام وألا يجاوز القواعد الجامعة وألا يسهو عن اعتبار المصلحة.
وهذا هو مجال الاجتهاد في القضاء.
ومع هذا كله فإنا قد رأينا رسول الله صلي الله عليه وسلم ينص علي شيء هام لم يلتفت إليه نظام من النظم التي نعرفها مع حداثتها وتأخر ظهورها.. لقد نص النبي علي شيء هام وهو أن الحكم القضائي لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وانما قصاراه انه يربط الاحكام بظاهر البينة وقد يكون أحد المتخاصمين ألحن بحجته من الآخر وهو لا حق له ولكنه استطاع أن يستف أوراقه وأن يستغل بعض قدراته في تضليل العدالة ويظن أنه إذا حكم له استنادا الي فهلوته يكون هذا الحكم مبررا لحل ما وصل إليه من خلال فهلوته وتستيف أوراقه. هنا نجد النبي صلي الله عليه وسلم ويؤكد علي هذا الأمر تأكيدا لا يحتمل شكا ولا مواربة فهو يقول ما هذا مثاله: "انكم تختصمون إليَّ وقد يكون احدكم ألحن بحجته من أخيه فمن حكمت له استنادا الي ظاهر الحجة بشيء وهو ليس له فلا يأخذه لأنني بهذا الحكم أكون قد أقطعته قطعة من جهنم". نعم.. ان الحكم في القضاء لا يحل حراما ولا يحرم حلالا وانما يسير موازياً لخط آخر الحكم فيه اصدق قبلا والجزاء فيه لا يتخلف وهو الخط الديني الذي يكون الحكم فيه هو الله ويكون الجزاء فيه جنة أو ناراً.
إلي هذا الحد من الحديث الموجز نكون قد عرضنا إلي ثلاثة جوانب من شخصية رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم جانب يتصل بشخصيته داعيا الي ربه مبلغا عنه وأحكام هذا الجانب كلها وأجزاؤها ليس هناك من سبيل الي التغيير فيها أو التبديل إذ انها كلها احكام مبرمة وعزيمة مؤكدة كما لا تقبل التغيير فهي كذلك لا تقبل الاستثناء إلا ما عسي ان يكون الشارع قد نص علي شيء فيها.
والجانب الثاني من شخصية رسول الله هو أن النبي صلي الله عليه وسلم قد شاء الله له أن يكون إماما للمسلمين في المدينة المنورة لينضم هذا الجانب من شخصيته إلي الجانب الأول منها واحكام هذا الجانب من شخصية رسول الله هو ما يعرف بالأحكام السلطانية أو أحكام السياسة الشرعية أو ان شئت فقل: ان أحكام هذا الجانب هو ما يعرف بالاحكام السيادية.
والجانب الثالث من جوانب شخصية النبي هو هذا الذي نعرفه بالجانب القضائي وقد شاء الله أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم قاضيا للمسلمين ترفع إليه الخصومات فيحكم فيها بما أراه الله.
وهذا الجانب والذي قبله منضبطان بالأطر العامة والقواعد المقررة ومقاصد الشريعة غير أن فيهما مجالاً للاجتهاد وهو مجال يترك أمام القاضي ورئيس الدولة فرصة لمراعاة المصلحة من غير تسيب أو تفريط ومن غير افراط أو تشدد.
وظلت هذه الجوانب الثلاثة مع النبي حياته كلها.
وظلت هذه الجوانب الثلاثة مع أبي بكر حياته كلها فيماعدا خاصية النبوة في رسول الله.
وفي عهد عمر بن الخطاب اتخذ عمر الخليفة الثاني قرارا بفصل السلطة القضائية عن الامامة العظمي ولكنه احتفظ لنفسه بأمرين احدهما مراقبة اعمال القضاة وثانيهما حق تعيين القضاة وعزلهم لا لشيء إلا أن يكون عمر حريصاً علي القضاء ألا تسقط هيبته بمخالفة بعض اعضائه عن قصد أو خطأ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق